رؤية تحليلية للكيفية التي سيتعامل بها “دونالد ترامب” مع الملف الليبي.

تقرير.

الاحد 5 فبراير 2017م.

كتب “جيسون باك” و”نات ماسون” في مجلة “foreign affairs “رؤية تحليلية قد تكون الأقرب للكيفية التي سيتعامل بها الرئيس الامريكي “دونالد ترامب مع الملف الليبي.
صاحبة المقال التحليلي “فورين أفيرز ” وهي مجلة أميركية تصدر كل شهر عن مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي , وهو خلية تفكير مستقلة متخصصة في السياسة الخارجية.
المقال.
رغم أن ذلك قد يثير الدهشة في الولايات المتحدة, إلا أن الرئيس المنتخب دونالد ترامب يحظى بشعبية كبيرة في ليبيا., ومنذ عام 2014, تقف الحرب الأهلية في ليبيا في طريق مسدود مع استمرار القتال بين الفصائل المتناحرة, بما في ذلك حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة في طرابلس ومجلس النواب في طبرق, وكل منهما يحظى بدعم مجموعة متنوعة من الميليشيات.

في عام 2015م, بدت الأمور وخيمة لا سيما في ليبيا؛ فقد سقطت بعض المدن بالكامل تحت سيطرة التنظيمات الجهادية وتوقف الإنتاج في معظم محطات النفط في البلاد. ولكن منذ منتصف عام 2016م, كانت هناك بعض التطورات الإيجابية أيضا: فقد تحسن إنتاج النفط في ليبيا وتم طرد تنظيم الدولة الإسلامية (ISIS) من مدينة سرت التي كانت أكبر رقعة من الأراضي التي يسيطر عليها خارج العراق وسوريا. لكن الحواجز السياسية أمام المصالحة لا تزال قائمة. فهناك حرب جديدة قادمة لا محالة في جنوب ليبيا كما أن حكومة الوفاق الوطني على وشك الانهيار. وفي يوم 2 يناير, استقال نائب رئيس الوزراء موسى الكوني على الهواء مباشرة على التلفزيون الليبي.

وفي اليوم التالي , قصف الجيش الوطني الليبي (LNA), المتحالف مع مجلس النواب في طبرق, طائرة مدنية في قاعدة الجفرة الجوية كانت تنقل ضباط كبار من مصراتة, التي تعد موطنا للميليشيات التي تدعم الحكومة المدعومة من الأمم المتحدة, وهذا تصعيد خطير من المرجح أن يثير ردود فعل واسعة النطاق.

لقد حانت فعلا لحظة بدء جهود بديلة للوساطة خارج إطار الأمم المتحدة الحالي, وخلال الأشهر القليلة الماضية , سيطر الجيش الوطني الليبي والقوات المتحالفة معه أخيراً على حقول النفط وخطوط الأنابيب والمحطات التي كانت ليبيا بحاجة إليها لعلاج الصعوبات المالية التي تواجهها.

وقد حظيت هذه التطورات بشعبية كبيرة حتى بين الليبيين المعارضين للجيش الوطني الليبي ومجلس النواب. وفي مواجهة الشرق المتماسك حول الجيش الوطني الليبي, أصبح لدى الفصائل الغربية, بما في ذلك مصراتة , حافزا للقدوم إلى طاولة المفاوضات الآن قبل أن يتدهور موقفهم أكثر من ذلك.

ومن ناحية أخرى , يستطيع الجيش الوطني الليبي الآن ضخ النفط عبر صفقته من وراء الكواليس مع المؤسسة الوطنية للنفط وبالتالي, لن يكون لديه دافع كبير لخوض معركة دامية من أجل السيطرة على طرابلس إذا كانت المفاوضات ممكنة , وعلى ترامب أن يغتنم الفرصة لأنه لديه القدرة على تحويل الديناميات بطرق لم يكن من الممكن تصورها من قبل.

سوف يجد ترامب أنه من السهل نسبيا, على الأقل في البداية, إشراك طائفة واسعة من الجهات الفاعلة المحلية, فأنصار الشخصية العسكرية الأقوى في ليبيا, المشير خليفة حفتر الذي يقود الجيش الوطني الليبي ويحظى بدعم كل من روسيا ومصر, يعتقدون أن ترامب سوف يفضلهم كجزء من إعادة الاصطفاف الجيواستراتيجي لإدارته الجديدة تجاه روسيا وعلى العكس من ذلك , يعتقد معارضو حفتر الذين تعبوا من المفاوضات الراكدة مع حكومة الوفاق الوطني التي تدعمها الأمم المتحدة أن ترامب قد يبث حياة جديدة في المحادثات أو أنه سوف يتبع بدائل أكثر فعالية لبناء حكومة فعالة والقضاء على ما تبقى من تنظيم الدولة الإسلامية وإيجاد سبل جديدة لتحريك الاقتصاد الليبي.

باختصار, سوف يتولى ترامب مقاليد السلطة وهو يحظى بشعبية أكبر بكثير مما لو كانت هيلاري كلينتون قد انتخبت, على الأقل في الشارع الليبي, حيث ترتبط بعثات وزارة الخارجية السابقة بالوضع الراهن وبفصيل مصراتة , وعلاوة على ذلك, كانت ليبيا من أكثر المناطق التي أهملت خلال ولاية الرئيس باراك أوباما الثانية , وبالرغم من أن واشنطن كانت لها دور أساسي في تنسيق الضربات الجوية التي أطاحت بتنظيم الدولة الإسلامية من معقله في سرت, لكن الولايات المتحدة فشلت في ممارسة القيادة على الجوانب السياسية والاقتصادية للانتقال في ليبيا.

هناك سبب وجيه يدفع إدارة ترامب إلى إيلاء الاهتمام بليبيا عاجلا وليس آجلا، وهو أن الصراع يتطور بطرق تهدد مصالح الولايات المتحدة, حيث تواجه الدول المجاورة مثل الجزائر ومصر وتونس احتمالات انتشار عدوى الحرب الأهلية الدائرة في ليبيا, مما يزيد من فرصة أن يتمكن ما تبقى من تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا من الفرار والتحصن في أماكن أخرى في المغرب العربي.
كما أن روسيا تقدم دعما سياسيا أكثر من أي وقت مضى لحفتر ويمكنها بسهولة الالتفاف على صانعي القرار في الغرب من خلال الاعتراف به وبحلفائه في مجلس النواب باعتبارهم الحكومة الشرعية في ليبيا. وهذا يمكن أن يخلق صراعا مجمدا آخر أو قد ينتهي بتشكيل نظام مدعوم من روسيا في جميع أنحاء ليبيا. وعلى الرغم من أن ترامب يبدو قادرا على التوصل لصفقة جيواستراتيجية واسعة مع روسيا، إلا أنه ليس هناك سبب للاعتقاد انه يريد أن يعطي موسكو المزيد من النفوذ قبل إبرام مثل هذه الصفقة.

لكن واشنطن لا تزال لديها النفوذ إذا ما اختارت استخدامه. فالولايات المتحدة فقط هي التي يمكن أن تتيح الدخول الكامل في الاقتصاد العالمي, وأن تمنح شرعية دولية للفصائل الليبية المختلفة, ولن تولد روسيا وحليفتها مصر سوى مزيد من التبعية والتهميش.

ما الذي يمكن أن تفعله واشنطن؟
تعترف الولايات المتحدة حاليا بحكومة الوفاق الوطني باعتبارها الحكومة الشرعية الوحيدة في ليبيا. وللأسف, فإن حكومة الوفاق الوطني لا تحكم شيئا في ليبيا. حتى إن سلطتها لا تمتد إلى طرابلس, التي تقيم فيها حاليا. وهي تعتمد كليا على الميليشيات لتوفير أمنها. وبالتالي, لا يمكن أن تحكم دون تفضيل مصالحهم.

المقترحات التي ترى دعم هذا الحكومة الزائفة بالحرس الرئاسي المدرب والمسلح تسليحا أجنبيا لن ينتج عنها سوى إضافة ميليشيا أخرى لا يمكن السيطرة عليها إلى هذا المزيج من الميليشيات. وبدلا من ذلك, يجب على إدارة ترامب أن تقر أنه لا يوجد فصيل, بما في ذلك حكومة الوفاق الوطني, يمتلك وحده الشرعية السياسية في ليبيا. إن الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر والقوى المعارضة من مدينة مصراتة هما الكتلتان الأقوى. وفي الوقت الحاضر، يقوم حفتر بتوطيد سلطته في شرق وجنوب البلاد. وعلى الرغم من أن هيمنة مصراتة على الغرب تضعف, إلا أنه من غير المحتمل أن تتغلب قوات حفتر على مصراتة والميليشيات المتحالفة معها في أي وقت قريب. وإذا تركت التطورات لمتابعة مسارها, يبدو من المرجح أن يتشكل انفصال بحكم الأمر الواقع بين الجانبين. ويجب أن يتم التوصل إلى حل لتقاسم السلطة عن طريق التفاوض بين الميليشيات, وليس السياسيين الضعفاء بحكومة الوفاق الوطني أو أي حكومة أخرى زائفة, من أسفل إلى أعلى.

الولايات المتحدة لها أهمية حيوية في التوصل لمثل هذه التسوية. فهي يمكن أن تتيح وصول النفط الليبي إلى أسواق النفط العالمية وتمنح الاعتراف الدولي لأي حكومة وحدة وطنية حقيقية. ويمكن أيضا أن تفي بوعود تقديم المساعدات لإعادة إعمار الأحياء التي مزقتها الحرب في المدن التي تنضم إلى النظام الجديد. ومع ذلك، فإن هذا لا يمكن أن يحدث طالما أن واشنطن تصر على اعتبار حكومة الوفاق الوطني الحكومة الشرعية الوحيدة واستبعاد حفتر وغيره. ويجب أن يتم تجاهل المؤتمر الوطني العام، وهو مجلس الحكم الانتقالي الذي انتهت ولايته في عام 2014 ولكن لا يزال يؤكد شرعيته , وكذلك مجلس النواب، لصالح التعامل المباشر مع ممثلي حفتر وقادة مصراتة المعتدلين. إن قادة الميليشيات، وليس السياسيين، هم الحكام الحقيقيون في ليبيا.

هذه الجهات العسكرية الحقيقية حريصة على أن يتم دعوتها إلى المؤتمرات الدولية. وعندما طلب منها، ذهبت إلى تونس أو جنيف للقاء مسؤولين في الأمم المتحدة. وكثيرا ما تذهب إلى أبو ظبي والدوحة وموسكو للقاء رعاتها السياسيين الحاليين. ويجب على الولايات المتحدة الآن التعامل معها مباشرة. وعلاوة على ذلك، فقد أظهر قادة مصراتة المعتدلين أنهم على استعداد للعمل مع الولايات المتحدة لتحقيق الأهداف المشتركة. ويجب على واشنطن التأكد من أن يتم مكافأة مصراتة على الدور الأساسي الذي لعبه مقاتلوها في هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية في سرت من خلال التأكيد لها أن سيطرتها على شؤونها المحلية غير مهددة.

يمكن أن يساعد الغرب أيضا في صياغة مقترح للامركزية السياسية, حيث أن جميع الفصائل تنظر إلى النزاع الراهن على أنه منافسة محصلتها صفر على السلطة المطلقة في ليبيا. ويمكن أن يؤدي إسناد معظم السلطة إلى المدن (وليس المناطق, التي تم تجربتها وفشلت) جنبا إلى جنب مع توزيع عائدات النفط – بصورة نسبية على أساس عدد السكان – إلى تخفيف حدة التنافس على السيطرة على طرابلس. وعلى الرغم من أنه صحيح أن بعض البلديات منقسمة على ذاتها, إلا أن العديد من النزاعات المحلية أفضل من نشوب صراع وطني واحد أو ثلاثة صراعات على الصعيد الإقليمي. أيضا، سوف تساعد اللامركزية الليبيين على بناء قدرات حكم محلية، وهو أمر هناك حاجة ماسة إليه حتى تنتعش البلاد اقتصاديا.

ينبغي أن تشمل سياسة ترامب تجاه ليبيا تعيين مبعوث رئاسي -أقرب إلى المبعوث الرئاسي الخاص للائتلاف العالمي لمكافحة تنظيم الدولة الإسلامية، وهو منصب يشغله حاليا بريت ماكجورك. ويستطيع المبعوث الرئاسي وحده أن يجعل الولايات المتحدة الأمريكية الأولى بين أقرانها بين الدول الغربية في وضع وتنسيق السياسة تجاه ليبيا. وحتى الآن، مارس البريطانيون والفرنسيون والايطاليون والأمم المتحدة القيادة نوعا ما عندما يتعلق الأمر بليبيا. ولا تتولى واشنطن القيادة إلا عندما يتعلق الأمر بالضربات الجوية وسياسة مكافحة الإرهاب. وكانت الولايات المتحدة لاعبا صغيرا في المفاوضات الرامية إلى التوصل إلى حكومة وحدة وطنية أو التعامل مع إعادة الإعمار بعد الحرب. وقد أدت هذا القيادة المشوشة إلى سياسة غير منسقة وغير متماسكة جدا. وإذا كانت الولايات المتحدة تريد إنهاء الحرب الأهلية في ليبيا, يجب أن تتوقف عن القيادة من الخلف. ويجب أن تقود فعلا.

سوف يستطيع المبعوث الرئاسي الخاص الذي يركز على ليبيا فقط تنسيق سياسات جميع الوكالات الاتحادية تجاه ليبيا, وأن يحل محل عملية الأمم المتحدة المعيبة، ويقوم بتنسيق المبعوثين الخاصين لمجموعة الدول الست غير الرسمية بشأن ليبيا (فرنسا, وألمانيا, وإيطاليا, وإسبانيا, والمملكة المتحدة, والولايات المتحدة). كما أن المبعوث سوف يفوض أيضا مختلف الحلفاء الأوروبيين للقيام بأدوار تكاملية لإنجاح السياسة الجديدة تجاه ليبيا. ويجب أن يظهر مبعوث – لكل من الفصائل الليبية والمستشارين والمبعوثين الأوروبيين – أنه يستطيع التواصل مباشرة مع الرئيس وأنه هو الخط الوحيد للوصول إلى سياسة الحكومة الأمريكية تجاه ليبيا. وينبغي إنهاء دور المبعوث الخاص لليبيا في وزارة الخارجية لأنه يفتقر إلى ما يكفي من السلطة على الإدارات الاتحادية الأخرى التي هي جزء لا يتجزأ من سياسة الولايات المتحدة تجاه ليبيا.

إن فريق ترامب الانتقالي يفكر بالفعل بجدية حول ليبيا ويعيد ضبط السياسة تجاه الشرق الأوسط. وقد وردت تقارير أن فيليب إسكارافاج، وهو عضو في أسرة مؤسسة فوربس للنشر لديه عقد من الخبرة في الشأن الليبي، مرشح لتولي منصب المبعوث الخاص إلى ليبيا أو مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى. وقد كانت عائلة فوربس من الأنصار الأوائل لترامب, وسوف تعمل كمصدر معرفي كبير يستفيد منه الرئيس المنتخب.

نحن نعلم أن ترامب مفكر غير تقليدي, لا يلتزم بالأسلوب البيروقراطي المعتاد للقيام بهذه الأمور. وليبيا تحتاج إلى مقاربة جديدة وجريئة. ولحسن الحظ بالنسبة للولايات المتحدة, ولأسباب جيوسياسية, تحرص الفصائل الليبية الرئيسية على العمل مع ترامب. والآن هو الوقت المناسب له ليثبت أنه حريص على العمل معهم أيضا.

خاص بالوكالة.

Categories: أخبار محلية,الأخبار,تقارير

Tags: ,,,,,

Leave A Reply

Your email address will not be published.